خريطة كونية مذهلة.. علماء الفلك يكشفون توزيع المادة المظلمة في مساحات شاسعة بالكون

المادة المظلمة تعتبر لغز الكون الأكبر الذي يحاول العلماء فك شفراته عبر سنوات من البحث والمراقبة الدقيقة؛ حيث كشف علماء الفلك مؤخرًا عن أدق خريطة كونية ترصد توزيع هذه المادة الغامضة في الفضاء، وذلك من خلال مسح شامل لرقعة سماوية واسعة تعادل تقريبًا ثلاثة أمثال مساحة القمر في مرحلة البدر، وهو إنجاز يمنح البشرية رؤية بصرية مذهلة لما كان مخفيًا تمامًا عن الأنظار فيما مضى.

توزيع المادة المظلمة في هيكل الكون الفسيح

تشير البيانات العلمية الحديثة إلى أن المادة المرئية التي نراها يوميًا مثل النجوم الساطعة والكواكب البعيدة لا تمثل في الواقع سوى 15% فقط من إجمالي مادة هذا الكون؛ بينما تستحوذ المادة المظلمة على الحصة الأكبر والنسبة العظمى من الوجود الكوني، ورغم هذه الضخامة فإنه لا يمكن رصدها باستخدام التلسكوبات التقليدية لأنها لا تصدر ضوءًا ولا تعكسه إطلاقًا؛ مما دفع الخبراء للاستدلال على أماكن وجودها عبر مراقبة تأثيرات جاذبيتها القوية على الأجرام المحيطة بها.

كيفية رصد المادة المظلمة عبر جيمس ويب

اعتمد الفريق البحثي في بناء هذه الخريطة الثورية على تحليل ظاهرة فيزيائية معقدة تُعرف باسم انكسار الضوء أو عدسة الجاذبية؛ حيث تتسبب قوة جذب المادة المظلمة في إحداث تشوهات بصرية طفيفة في صور ما يقرب من 250 ألف مجرة بعيدة للغاية، وهذا التشويه سمح للعلماء بتحديد المواقع الدقيقة للكتل الخفية بدقة لم يصل إليها أحد من قبل، متجاوزين بذلك كافة القيود التقنية التي كانت تفرضها الأجهزة القديمة التي حاولت رصد هذه الظاهرة المحيرة.

مقارنة بين تقنيات رسم المادة المظلمة

النتائج الحالية التي وفرها تلسكوب جيمس ويب تفوقت بوضوح على الخرائط السابقة التي تم إنجازها بواسطة تلسكوب هابل؛ إذ تميزت الخريطة الجديدة بمضاعفة مستوى الدقة وشمول مناطق أوسع من الفضاء المترامي، كما أنها نجحت في العودة بالزمن إلى حقب سحيقة تعود لما بين ثمانية إلى عشرة مليارات سنة، وهو ما يوضح الفوارق الجوهرية في قدرات الرصد بين الجيلين:

المعيار خريطة هابل السابقة خريطة جيمس ويب الجديدة
دقة التفاصيل متوسطة ونطاقها محدود عالية جدًا ومضاعفة
الحقبة الزمنية حقبات قريبة نسبيًا ما بين 8 إلى 10 مليارات سنة
حجم المسح مساحات ضيقة ثلاثة أمثال مساحة البدر

دور المادة المظلمة في تشكيل الشبكة الكونية

أكدت الباحثة ديانا سكونياميليو من مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا أن التقنيات الجديدة مكنتهم من اكتشاف تراكيب وتجمعات كتلية لم تكن مرئية في السابق؛ مما يفتح الباب أمام فهم أعمق لآلية تكوّن المجرات وتطورها عبر العصور، وتبرز أهمية هذه الاكتشافات في عدة نقاط جوهرية تساعد في رسم ملامح الوجود:

  • رسم تفاصيل دقيقة لما يسمى بالشبكة الكونية الكبرى.
  • تحديد خيوط المادة المظلمة التي تربط عناقيد المجرات ببعضها.
  • تطوير نماذج محاكاة أكثر واقعية لنشأة الأجرام السماوية.
  • تفسير كيفية توزيع الكتلة في الفراغات الكونية الشاسعة.
  • دراسة تأثير الجاذبية الخفية على سرعة تمدد الكون عبر الزمن.

يأمل المتخصصون أن تساهم هذه الخرائط في كشف الأسرار الجوهرية حول بنية الفضاء وكيفية ترابط أجزائه؛ فالوصول إلى فهم دقيق حول المادة المظلمة يعني بالضرورة الاقتراب من معرفة مصير الكون النهائي. تساعد هذه المعلومات في تحسين القوانين الفيزيائية التي نستخدمها لتفسير الظواهر الطبيعية المعقدة بعيدًا عن التخمينات النظرية.