مستقبل الصناعة.. هل تحتاج السيارات الألمانية لمبتكر جديد بعد مرور 140 عاماً؟

صناعة السيارات الألمانية بدأت رحلتها التاريخية في التاسع والعشرين من يناير عام 1886؛ عندما منح مكتب براءات الاختراع الإمبراطوري في برلين كارل بنز شهادة اختراعه للمركبة التي تعمل بالمحرك الغازي. وقد شكّل هذا الابتكار حجر الزاوية في بناء اقتصاد برلين الحديث؛ إذ دفع البلاد إلى صدارة القوى الصناعية العالمية ووفر للألمان مئات الآلاف من الوظائف ذات الأجور المرتفعة؛ لتصبح علامات مرسيدس وبي إم دبليو وفولكس فاغن رموزا عالمية للجودة والمثالية الهندسية التي يتردد صداها في مختلف القارات.

واقع صناعة السيارات الألمانية بين الأرباح والتقشف

رغم الصورة الذهنية البراقة؛ تبدو صناعة السيارات الألمانية اليوم وكأنها تواجه خدشا عميقا في هيكلها التقليدي نتيجة تراجع الأرباح والضغوط التي يفرضها التحول الكهربائي. وتكشف ميزانيات الشركات الكبرى عن أرقام ضخمة ولكنها تعكس اتجاها هبوطيا؛ مما دفع الإدارات إلى تبني برامج تقشف صارمة لمواجهة المنافسة الدولية الشرسة؛ لا سيما في مجالات تطوير البرمجيات والتقنيات الرقمية التي باتت تحدد هوية المركبة العصرية.

الشركة المصنعة أرباح عام 2024 (بالمليار يورو)
مجموعة فولكس فاغن 12.0
مرسيدس بنز 10.4
بي إم دبليو 7.7

أثر التحول التكنولوجي على صناعة السيارات الألمانية ومورديها

يرى الخبراء أن صناعة السيارات الألمانية تمر بمرحلة تصحيحية وليست أزمة بالمعنى الحرفي؛ بدليل استمرار توزيع الأرباح على المساهمين. ومع ذلك؛ فإن الموردين الذين يمثلون العصب الحيوي للقطاع يعانون من ضغوط هائلة أدت إلى إغلاق مواقع إنتاجية وتسريح موظفين؛ نتيجة الاستغناء عن العديد من قطع الغيار التقليدية التي كانت تتطلبها محركات الاحتراق؛ ومن أهم التحديات التي تواجه الموردين حاليا:

  • الاضطرار لتقليص أعداد الوظائف في الأقسام التقليدية.
  • الحاجة لاستثمارات ضخمة في تقنيات البطاريات والمحركات الكهربائية.
  • تحمل ضغوط التكاليف التي تفرضها الشركات المصنعة الكبرى.
  • فقدان الطلب على قطع الغيار الميكانيكية المعقدة للمحركات القديمة.
  • ضرورة إعادة تدريب القوى العاملة على الأنظمة الرقمية الحديثة.

صناعة السيارات الألمانية ومعايير الاتحاد الأوروبي الجديدة

تتجه بوصلة القارة نحو التخلي عن محركات الاحتراق الداخلي بحلول عام 2035؛ وهو ما وضع صناعة السيارات الألمانية أمام تحدي إعادة صياغة دورها الدولي. وبالرغم من الضغوط السياسية لتخفيف بعض القيود؛ يظل التوجه نحو خفض الانبعاثات الكربونية بنسب تصل إلى مئة بالمئة هو الهدف النهائي؛ مما يعني أن التفوق المستقبلي لن يعتمد على مهارة الهندسة الميكانيكية بل على كفاءة البطاريات والبرمجة والقدرة على منافسة الشركات الصينية التي تستفيد من دعم حكومي سخي وتكاليف إنتاج منخفضة.

ستبقى ماركات السيارات الكبرى موجودة ولن تختفي؛ لكن الهيمنة المطلقة قد تتراجع في ظل عولمة الإنتاج والتحول الجذري نحو التنقل الكهربائي. إن الحفاظ على الريادة يتطلب دمج الجودة التقليدية بالسرعة التكنولوجية الفائقة لمواكبة التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية؛ وهو ما سيحدد ملامح القطاع في العقد المقبل.