تقليص الاعتماد النفطي.. دول الخليج تقود سباق الاستثمار العالمي في تقنيات الذكاء الاصطناعي

سباق الذكاء الاصطناعي هو العنوان الأبرز للتحول الهيكلي العميق الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط حاليا؛ حيث تسعى القوى الإقليمية الكبرى من خلاله إلى صياغة مستقبل اقتصادي جديد يتجاوز الاعتماد التقليدي على موارد الطاقة الطبيعية، ويؤسس لمرحلة الثورة الصناعية الرابعة التي ترتكز على الابتكار التقني وبناء نماذج اقتصادية مستدامة تعتمد على المعرفة وليس فقط على ما تحت الأرض.

أهداف السعودية في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي

تضع المملكة العربية السعودية نصب أعينها التحول إلى قطب عالمي رائد في التقنيات المتقدمة؛ إذ تشير توجهات الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي سدايا إلى استهداف استثمارات ضخمة تناهز عشرين مليار دولار في هذا القطاع الحيوي، وتعمل الرياض بجدية لتكون ضمن قائمة أفضل خمس عشرة دولة عالميا عبر تطوير منظومة متكاملة تدشنها مبادرات كبرى مثل مشروع آلات الذي أطلقه صندوق الاستثمارات العامة لجعل المملكة مركزا للصناعات التقنية؛ فالقدرة المالية الضخمة مع توفر الطاقة والمساحات الشاسعة لمراكز البيانات تمنح المملكة ميزات تنافسية تجعل مساهمة هذه التقنيات في الناتج المحلي تتجاوز اثني عشر بالمائة قريبا.

ريادة الإمارات في مضمار سباق الذكاء الاصطناعي الإقليمي

تمكنت دولة الإمارات العربية المتحدة من حجز مقعد متقدم عالميا بصفتها أول دولة تستحدث منصبا وزاريا متخصصا في هذا المجال؛ مما مهد الطريق لإطلاق مشاريع وطنية عملاقة مثل نموذج فالكون اللغوي الذي طوره معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي، ولا تكتفي الدولة بتبني الحلول البرمجية بل تعمل على بناء شراكات استراتيجية مع عمالقة التكنولوجيا مثل مايكروسوفت عبر شركة جي أربعين واثنان لتطوير البنية التحتية السحابية؛ مما عزز من جاهزيتها الحكومية وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى قطاعات متنوعة تشمل الدفاع والطب والفضاء القائم على الأتمتة والبيانات.

توظيف التقنيات المتطورة في استراتيجية قطر الوطنية

تركز دولة قطر على دمج الحلول الذكية في قطاعات حيوية تشمل الخدمات اللوجستية والرعاية الصحية والتعليم؛ حيث يستثمر معهد قطر لبحوث الحوسبة في تطوير خوارزميات متقدمة لخدمة قطاع الغاز الطبيعي المسال ورفع كفاءة الإنتاج، وتتضمن الاستراتيجية القطرية عدة ركائز أساسية لتطوير المنظومة الرقمية من خلال بنود واضحة:

  • تطوير خوارزميات مخصصة لمعالجة اللغة العربية والبيانات الضخمة.
  • توطين الخبرات الفنية العالمية داخل المؤسسات الوطنية القطرية.
  • تعزيز الاستثمارات السيادية في الشركات التكنولوجية الناجحة دوليا.
  • بناء بنية تحتية آمنة للأمن السيبراني وأنظمة إدارة المدن الذكية.
  • رفع جودة الخدمات الحكومية الرقمية لتلبية متطلبات رؤية قطر.

تأثير الاستثمارات التقنية على الاقتصادات الخليجية

يمثل الاستثمار في العقول والبرمجيات حجر الزاوية في فك الارتباط بأسعار النفط؛ وهو ما يوضحه الجدول التالي الذي يستعرض بعض جوانب التحول التقني في المنطقة:

الدولة أبرز المبادرات والمستهدفات
السعودية مشروع آلات وجذب استثمارات بـ 20 مليار دولار
الإمارات نموذج فالكون اللغوي وشراكات مع مايكروسوفت
قطر تطوير حلول الغاز الطبيعي والمدن الذكية الآمنة

التوازي الجيوسياسي وتحديات سباق الذكاء الاصطناعي

تواجه دول الخليج تحديات تتعلق بالتنافس الدولي بين القوى العظمى للحصول على الرقائق الإلكترونية والتقنيات الحساسة؛ إلا أن هذه الدول تتبع سياسة توازن ذكية تضمن لها الحصول على أفضل الابتكارات من الشرق والغرب مع التركيز على نقل المعرفة وتدريب الكوادر المحلية، إن القدرة التفاوضية العالية بفضل الصناديق السيادية تتيح فرصة حقيقية لخلق كتلة اقتصادية تكنولوجية قادرة على منافسة الأقطاب العالمية وتقليل الارتهان لمصادر الطاقة الناضبة عبر إنتاج بيانات وخوارزميات ذات قيمة مضافة عالية.

نشهد حاليا تحولا تاريخيا يجعل من البيانات المحرك الفعلي للقرار الاقتصادي والسياسي بدلا من النفط؛ حيث قررت دول المنطقة المنافسة بقوة كقوى مبتكرة ومصنعة للتكنولوجيا، وهذا الاستثمار الملياري في العقول ومراكز الأبحاث يمهد الطريق لرخاء مستدام يقوم على الإبداع البشري والقدرة التقنية الفائقة لضمان البقاء في طليعة الأمم.