خطة خفض الدين.. كيف تحقق مصر الاستدامة المالية في الموازنة الجديدة؟

استدامة المالية العامة في مصر تعد الركيزة الأساسية التي تستند إليها الحكومة حاليًا من أجل ضمان استقرار الاقتصاد القومي وتحقيق الطفرة التنموية المنشودة؛ حيث تمضي الدولة بخطى ثابتة نحو ترسيخ مبدأ الانضباط المالي الصارم، واضعة نصب أعينها تقليص عجز الموازنة ليصل إلى مستويات آمنة تقدر بنحو 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام المالي 2026-2027، مع العمل الجاد على تثبيت هذه النسبة خلال المدى المتوسط كجزء من رؤية الدولة الشاملة لخلق بيئة اقتصادية تتسم بالصلابة والقدرة على مواجهة التقلبات الدولية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تحسين جودة حياة المواطنين ودعم مسارات التنمية المستدامة التي تشهدها البلاد في مختلف القطاعات الحيوية لضمان مستقبل مالي أكثر أمانًا واستقرارًا للأجيال القادمة.

خطط الحكومة نحو استدامة المالية العامة في مصر

تتحرك وزارة المالية ضمن إطار موازني طموح يمتد للمدى المتوسط لضمان تحقيق استدامة المالية العامة في مصر عبر سلسلة من الإجراءات الهيكلية التي تهدف في مقامها الأول إلى تحقيق فوائض أولية قوية ومستمرة حتى العام المالي 2029-2030؛ إذ يُسهم هذا الفائض في تقليص تراكم الديون وتوفير مساحة مالية تتيح للدولة التعامل بمرونة مع أي هزات اقتصادية عالمية غير متوقعة، وتستهدف الخطة الرسمية خفض نسبة دين أجهزة الموازنة العامة لتصبح في حدود 75.5% خلال عام 2026-2027، ثم مواصلة الهبوط التدريجي حتى تلامس حاجز 68% بنهاية العقد الحالي، مما يقلل من الأعباء المالية التي يتحملها الاقتصاد المصري ويفتح آفاقًا جديدة لنمو القطاعات الإنتاجية.

وتتضمن الرؤية الاستراتيجية المتعلقة بقضية استدامة المالية العامة في مصر ضرورة إطالة عمر الدين العام ليتراوح ما بين أربع سنوات ونصف إلى خمس سنوات كمتوسط زمني؛ وذلك بدلًا من المتوسط الحالي البالغ 3.5 سنة، بهدف الحد من الاحتياجات التمويلية العاجلة وتخفيف ضغوط السداد على المدى القصير، وتشمل هذه الخطوة تحولًا جذريًا في سياسة الاقتراض عبر التالي:

  • الحد من الاعتماد على أذون الخزانة قصيرة الأجل وتفضيل السندات الحكومية طويلة الأمد.
  • توسيع قاعدة المستثمرين في القطاعات المصرفية والمالية عبر طرح أدوات وأوعية استثمارية جديدة.
  • جذب تدفقات سيولة دولية ومحلية مبتكرة إلى سوق الأوراق المالية الحكومية.
  • خفض التكلفة الإجمالية لخدمة الدين العام لتوجيه الموارد نحو الاستثمارات التنموية.

أثر الإصلاح الاقتصادي على استدامة المالية العامة في مصر

يرى المتخصصون في الشأن الاقتصادي أن استدامة المالية العامة في مصر ترتبط بشكل وثيق بمدى نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي المطبق بالتعاون مع المؤسسات الدولية، وبشكل خاص صندوق النقد الدولي الذي يدعم الخطوات المصرية بقرض تصل قيمته إلى 8 مليارات دولار موزعة على 46 شهرًا؛ حيث تسلمت مصر بالفعل أربع شرائح من هذا التمويل الذي يعكس ثقة المجتمع الاستثماري العالمي في قدرة الدولة على إدارة ملفاتها المالية بكفاءة، فالوصول إلى مستويات منخفضة من العجز الكلي لا يعد مجرد أرقام محاسبية، بل هو دلالة واقعية على تعافي الإنتاج المحلي وزيادة الموارد السيادية وتعزيز تدفقات العملة الصعبة داخل الشرايين الاقتصادية للدولة بشكل مستمر ومستدام.

المؤشر المالي المستهدف النسبة المستهدفة عام 2026/2027 النسبة المستهدفة عام 2029/2030
عجز الموازنة الكلي 4.9% من الناتج المحلي الحفاظ على استقرار النسبة
نسبة دين أجهزة الموازنة 75.5% 68%
متوسط عمر الدين 4.5 – 5 سنوات تحسين المدى الزمني

إن النجاح في ضبط الموازنة وتحسين كفاءة الإنفاق العام يمثلان الضمانة الحقيقية لتحقيق استدامة المالية العامة في مصر، خاصة مع توجه الدولة نحو تقليل الدعم بشكل تدريجي ومدروس بالتوازي مع تراجع الأسعار العالمية لبعض السلع الاستراتيجية مثل النفط، وهو ما يدعم تطلعات الحكومة في بناء بيئة استثمارية تنافسية تساهم في خفض معدلات التضخم وأسعار الفائدة المرتفعة؛ الأمر الذي يمنح القطاع الخاص فرصة أكبر لقيادة قاطرة النمو وتوفير فرص عمل حقيقية للشباب، مع التركيز على تطوير البنية التحتية وزيادة الإنتاجية الكلية للاقتصاد المصري لضمان استمرار التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة وتوطين الصناعات المختلفة بما يخدم الأهداف القومية الكبرى في المديين القريب والبعيد.