أزمة الإنتاج.. هل يواجه العالم شحاً حقيقياً في إمدادات النحاس الفترة المقبلة؟

أزمة المعروض العالمي من النحاس باتت تتصدر المشهد الاقتصادي وتثير قلقاً دولياً واسعاً بشأن آفاق النمو في العقد القادم، حيث تشير التقارير الصادرة عن وكالة بلومبيرج إلى فجوة تاريخية بين الطلب المتزايد بوتيرة سريعة وقدرات التوريد المحدودة والمثقلة بالاضطرابات؛ الأمر الذي يجعل تأمين الاحتياجات المستقبلية من هذا المعدن الاستراتيجي تحدياً يواجهه قطاع التعدين والتقنيات الحديثة على حد سواء.

مفاعيل أزمة المعروض العالمي من النحاس وتأثيرات سياسة ترامب

تتزايد الضغوط بشكل ملحوظ نتيجة المخاوف المرتبطة بفرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوماً جمركية على المنتجات المكررة، وهذا التوجه دفع الشركات والمؤسسات داخل الولايات المتحدة للقيام بعمليات تخزين استباقية واسعة أدت إلى استنزاف المخزونات الدولية المتاحة؛ كما تزامنت هذه التوترات التجارية مع اضطرابات إنتاجية حادة ضربت كبار المنتجين من تشيلي وصولاً إلى إندونيسيا، وهو ما دفع أسعار المعدن الأحمر للتحليق عالياً فوق حاجز 13 ألف دولار للطن المتري في بورصة لندن في مطلع عام 2026، لتسجل الأسواق مستويات قياسية غير مسبوقة تعكس حجم القلق من تفاقم أزمة المعروض العالمي من النحاس وتأثيراتها العميقة على تكاليف التصنيع وسلاسل الإمداد التي تعاني أصلاً من هشاشة واضحة نتيجة تعاقب الأزمات الجيوسياسية في مناطق الإنتاج الرئيسية.

نمو الطلب طويل الأمد في ظل أزمة المعروض العالمي من النحاس

رغم أن التباطؤ الحالي في الاقتصاد الصيني ألقى بظلاله على توقعات الاستهلاك القريبة بسبب أزمة العقارات وضعف الإنفاق الاستهلاكي، إلا أن البيانات التقديرية تشير إلى أن الاستهلاك العالمي للمعدن سيتوسع بما يتجاوز الثلث بحلول عام 2035؛ وترتكز هذه الطفرة المستقبلية على التحول نحو الطاقة النظيفة والتوسع في إنتاج السيارات الكهربائية التي تستهلك ثلاثة أضعاف ما تحتاجه المركبات التقليدية، بالإضافة إلى مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التي تستهلك كميات من النحاس تصل إلى أربعة أضعاف المرافق التقليدية، وهذا المشهد يضع العالم أمام معضلة حقيقية في موازنة هذه الطموحات التقنية مع تحديات أزمة المعروض العالمي من النحاس القائمة حالياً.

المؤشر الاقتصادي القيمة أو التقدير
سعر النحاس (يناير 2026) أكثر من 13,000 دولار للطن
زيادة الطلب المتوقعة (2035) 33% فأكثر
الحصة الصينية من النحاس المكرر أكثر من 40% عالمياً

العواقب الهيكلية المحتملة وتفاقم أزمة المعروض العالمي من النحاس

تعرض سوق المعادن لسلسلة من النكسات الطبيعية في عام 2025 شملت فيضانات مدمرة في الكونغو الديمقراطية وانهيارات أرضية ومعوقات جيولوجية في تشيلي وإندونيسيا، مما جعل احتمالية وقوع عجز هيكلي في السوق أمراً قريباً جداً؛ وقد واجهت المصاهر العالمية خاصة في الصين ضغوطاً خانقة نتيجة توسع قدراتها الإنتاجية بسرعة تفوق نمو استخراج الخام من المناجم، ما تسبب في تآكل الأرباح وتهديد استقرار التوريد للمعدن المكرر، ومع تراجع جودة الخامات وارتفاع تكاليف الاستثمار تتردد الشركات الكبرى في ضخ أموال جديدة لتوسيع المناجم أو اكتشاف رواسب جديدة، حيث لم يتم اكتشاف سوى 14 مكمناً رئيسياً خلال العقد الماضي؛ وهذا الوضع دفع نحو تحركات استراتيجية كبرى شملت الاندماجات الضخمة مثل الصفقة المرتقبة بين “أنغلو أميركان” و”تيك ريسورسيز” لمواجهة أزمة المعروض العالمي من النحاس وتعزيز مراكز القوة في سوق يسيطر فيه عدد محدود من الدول على الإنتاج المنجمي.

تشمل الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تعقيد الموقف في الأسواق العالمية النقاط التالية:

  • الاضطرابات الطبيعية والبيئية المتكررة في مناطق المناجم الكبرى بالكونغو وتشيلي.
  • طول الفترة الزمنية المطلوبة للانتقال من مرحلة الاكتشاف إلى الإنتاج والتي تتجاوز 15 عاماً.
  • الهيمنة الصينية على إنتاج النحاس المكرر رغم محدودية احتياطاتها من الخام.
  • الأبعاد السياسية الناتجة عن رغبة واشنطن وحلفائها في تقليل الاعتماد على النفوذ الصيني.

الأسواق العالمية تترقب بحذر أي تغيير في السياسات الجمركية الأمريكية التي قد تُربك تدفقات التجارة مجدداً، لا سيما بعد تصريحات ترامب في فبراير 2025 التي أثارت زوبعة من القلق حول أسعار المنتجات النحاسية، ولا تزال المعادلة الصعبة تفرض نفسها بقوة على الاقتصاد الدولي حيث يصطدم الطموح التقني والبيئي العالي بحواجز حقيقية تتعلق بجيولوجيا الأرض وتعقيدات السياسة الدولية، مما يرسخ وضعية أزمة المعروض العالمي من النحاس كأحد أهم التحديات التي ستحدد ملامح النظام الاقتصادي العالمي في السنوات المقبلة وبما يضمن استمرارية الثورة الصناعية الثالثة.