خسارة تاريخية.. كيف اختتم الدولار تداولات العام مسجلاً أدنى مستوى منذ 9 سنوات؟

توقعات أداء الدولار مقابل العملات العالمية في عام 2026 تشغل بال المستثمرين والخبراء الماليين بعد أن أنهى الدولار عام 2025 بأسوأ أداء سنوي له منذ قرابة تسع سنوات، حيث تعرضت العملة الأمريكية لضغوط بيعية مكثفة تأثرًا بتحولات جذرية في قرارات السياسة النقدية والتوجهات السياسية لبيت الأبيض، مما جعل الأسواق تترقب بحذر شديد معالم المرحلة الاقتصادية الجديدة التي ستشكل ملامح القوة أو الضعف للعملة الخضراء في المستقبل القريب.

الاحتياطي الفيدرالي وتأثيره على أداء الدولار مقابل العملات العالمية

شهدت كواليس المؤسسات المالية الكبرى نقاشات مستفيضة حول طبيعة التحول الذي طرأ على الدولار، إذ تشير بيانات “بلومبيرج” التاريخية إلى أن مؤشر الدولار الفوري تراجع بنسبة وصلت إلى 8.1% خلال العام الماضي، وهو الهبوط الأكثر حدة منذ عام 2017، وهذا التراجع لم يكن وليد الصدفة بل جاء كاستجابة مباشرة لتوقعات الأسواق حيال تيسير السياسة النقدية من قبل البنك المركزي الأمريكي، حيث يرى الخبراء أن الترقب للهوية الجديدة لخليفة جيروم باول، الذي تنتهي ولايته في مايو المقبل، يعد المحرك الأساسي لحركة رؤوس الأموال، وفي هذا الصدد يؤكد يوسوكي ميايري، أحد كبار المحللين في “نومورا”، أن الأنظار ستظل معلقة بتوجهات القيادة القادمة للفيدرالي، كونها ستحدد مسار الفائدة التي ترتبط بشكل جذري بقوة العملة.

ويرصد التقرير الصادر عن وكالة بلومبيرج مجموعة من المحطات التاريخية التي أضعفت موقف العملة منذ أبريل 2025، ويمكن تلخيص العوامل المؤثرة في الجدول التالي:

الحدث الجوهري التأثير المباشر على الدولار
إعلان فرض الرسوم الجمركية بداية الضغوط البيعية في أبريل 2025
حملة الضغط لخفض سعر الفائدة تراجع جاذبية الاستثمار في السندات الأمريكية
نهاية ولاية باول المرتقبة حالة من عدم اليقين والمضاربة على القيادة الجديدة

تباين السياسات النقدية وانعكاساته على أداء الدولار مقابل العملات العالمية

إن الفجوة المتسعة بين البنوك المركزية حول العالم كان لها كلمة الفصل في إضعاف التنافسية للدولار، فبينما كانت الأسواق المالية تسعر خفضين على الأقل للفائدة الأمريكية في مطلع العام الجديد، كانت هناك عملات أخرى تكتسب زخمًا غير متوقع بفضل ثبات سياساتها أو ميلها للتشدد، فعلى سبيل المثال استطاع اليورو تحقيق قفزات ملحوظة أمام العملة الأمريكية نتيجة تراجع معدلات التضخم في القارة العجوز وزيادة الإنفاق المقدر لدعم القطاعات الدفاعية، وهو ما قاده لتقليص احتمالات خفض الفائدة الأوروبية وخلق توازن جديد للقوى في سوق الصرف الأجنبي.

ولم يكن اليورو وحده هو المستفيد من تراجع الهيمنة الدولارية، بل برزت عملات أخرى في المشهد مدفوعة بتوقعات رفع الفائدة فيها أو استقرار اقتصاداتها، وتضمنت القائمة ما يلي:

  • الدولار الكندي: الذي راهن المستثمرون على قوته أمام نظيره الأمريكي بدعم من شهية المخاطرة.
  • الكرونة السويدية: التي استفادت من تباين مسارات التضخم والسياسة النقدية.
  • الدولار الأسترالي: الذي حافظ على جاذبيته بفضل التوقعات بزيادات محتملة في أسعار الفائدة المحلية.

توقعات التداول وتحليل أداء الدولار مقابل العملات العالمية

تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة تداول السلع الآجلة في الولايات المتحدة عن عودة قوية للمضاربين الذين اتخذوا مراكز بيع مدينة ضخمة، حيث وصلت قيمة الرهانات السلبية ضد العملة الأمريكية إلى نحو 2.7 مليار دولار بحلول منتصف ديسمبر الماضي، مما يعكس نظرة تشاؤمية تسيطر على مديري الصناديق والمستثمرين، ومع ذلك يظل الحذر واجبًا كما يشير بعض الخبراء لبلومبيرج، إذ إن وصول التقييمات إلى مستويات تاريخية مرتفعة أو منخفضة لا يعني بالضرورة استمرار الاتجاه، فالسوق غالبًا ما يصحح نفسه بحركات استباقية تفاجئ الإجماع العام، خاصة عند صدور تقارير الوظائف أو بيانات النمو التي قد تغير بوصلة الفيدرالي في أي لحظة.

تبقى المعطيات الاقتصادية والسياسية هي المحرك الأساسي لما سيحدث خلال الشهور الأولى من عام 2026، فالعملة الأمريكية تقف الآن عند مفترق طرق حقيقي، تتقاذفها رغبة البيت الأبيض في تيسير نقدي يدعم النشاط الاقتصادي، وبين واقع الأسواق الذي يطلب استقرارًا في العوائد، وفي خضم هذا الصراع ستظل التحركات السعرية مرتبطة بشكل وثيق بكل تصريح يصدر عن القيادات المالية الجديدة وبكل خطوة تتخذها البنوك المركزية المنافسة في كندا وأوروبا وأستراليا لرسم خريطة نقدية جديدة للعالم.