مخطوطات كوفية نادرة.. واس تنشر صوراً لأقدم صفحات القرآن المكتوبة على الرق

المصحف الكوفي يمثل أحد أبرز الشواهد التاريخية التي توثق عناية المسلمين الأوائل بتدوين الوحي وصيانته من التبديل عبر القرون؛ حيث كشف متحف القرآن الكريم بحي حراء الثقافي في مكة المكرمة عن نسخة نادرة تعود إلى العصور الإسلامية الأولى، وتبرز هذه المبادرة القيمة العالية التي توليها المملكة العربية السعودية لجمع وحفظ المخطوطات التي تروي قصة انتشار الإسلام وتطور الكتابة العربية في مهدها الأول.

تاريخ المصحف الكوفي ومواد صناعته القديمة

يعود تاريخ هذا المصحف الفريد إلى القرن الثاني أو الثالث الهجري؛ مما يجعله تحفة أثرية نادرة تعكس دقة الصناعة اليدوية في تلك الحقبة الزمنية المبكرة من التاريخ الإسلامي، وقد كُتب المصحف الكوفي باستخدام نوع فاخر من الرق المعالج من جلود الحيوانات؛ وهو الأسلوب الذي كان متبعًا قبل ظهور الورق لضمان بقاء النصوص المقدسة فترات طويلة، ويتميز هذا النوع من المخطوطات بمتانة الورق ووضوح الأحبار المستخدمة التي لم تتلاشَ رغم مرور أكثر من ألف عام على تدوينها؛ مما يثبت مهارة الخطاطين في اختيار مواد صلبة تقاوم العوامل الطبيعية.

مميزات الخط في المصحف الكوفي وطريقة تنسيقه

تنسيق الصفحات في هذه النسخة اتبع النمط الأفقي السائد في تلك الفترة؛ حيث تظهر الحروف الكوفية بزواياها الحادة وخطوطها المستقيمة التي تمنح النص هيبة بصرية واضحة، ويمكن رصد عدة ميزات فنية في المصحف الكوفي من خلال النقاط التالية:

  • استخدام الخط الكوفي العريق الذي يتميز بالرصانة والمتانة في رسم الحروف.
  • غياب الإفراط في التنقيط والتشكيل اعتمادًا على السليقة اللغوية للعرب الأوائل.
  • الاعتماد على الرق كمادة أساسية للكتابة لقدرتها العالية على التحمل وصعوبة تلفها.
  • توزيع الكلمات بشكل متوازن داخل المساحة المتاحة يعكس دقة التنظيم اليدوي.
  • النظام الهندسي في رسم الكلمات الذي يعطي إيقاعًا بصريًا متناغمًا للقارئ.

رحلة النص داخل المصحف الكوفي من آل عمران إلى عبس

يتضمن هذا المصحف أجزاءً متسلسلة تبدأ من منتصف سورة آل عمران وتحديدًا من الآية الخمسين وتستمر حتى نهاية سورة عبس؛ وهو ما يجعله مرجعًا مهمًا في دراسة ترتيب السور في المصاحف القديمة، وتوضح المعلومات الفنية المرتبطة بهذا المخطوط أهمية مثل هذه الأجزاء القرآنية التي كانت تستخدم قديمًا في التعليم وحلقات الذكر داخل الحرمين الشريفين؛ حيث كان المصحف الكوفي أداة تعليمية أساسية بجانب الحفظ الصدري للقرآن الكريم، وفيما يلي تفاصيل تقنية حول المخطوط المعروض:

العنصر الفني التفاصيل التاريخية
نوع الخط المكتوب الخط الكوفي القديم بدون تنقيط مكثف
المادة المستخدمة رق الغزال المجهز خصيصًا للكتابة
النطاق الزمني القرن الثاني إلى الثالث الهجري
مصدر المخطوط مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض

تعاون الجهات الوطنية لعرض المصحف الكوفي للجمهور

يأتي عرض هذه القطعة النادرة نتيجة شراكة استراتيجية بين مكتبة الملك فهد الوطنية وحي حراء الثقافي؛ بهدف إثراء المحتوى المعرفي لزوار بيت الله الحرام وتعريفهم بالتراث المخطوط، ويساهم وجود المصحف الكوفي في موقع تاريخي يطل على جبل النور في ربط الزمان بالمكان؛ مما يمنح المشاهد تجربة روحية وفكرية متكاملة، إن هذه الجهود تبرز الدور الريادي في حماية الإرث الثقافي وتوفير بيئة علمية تسمح للباحثين والمهتمين بالاطلاع على أصول الخطوط الإسلامية وتطورها.

تظل رؤية هذه السطور المكتوبة بمداد الصدق قبل قرون طويلة تجسيدًا لرسالة الإسلام الخالدة عبر الأجيال؛ فالمخطوطة تختزل براعة الإنسان في تطويع الأدوات البدائية لخدمة النص المقدس، ويبقى المصحف الكوفي أيقونة جمالية وتاريخية تلهم كل من يطالع تفاصيلها بدقة وإمعان في مكة المكرمة.