تجاوز عتبة الـ 4500 دولار.. أسعار الذهب تسجل قفزة قياسية جديدة في الأسواق العالمية

توقعات أسعار الذهب العالمية والمستقبلية باتت الشغل الشاغل للمستثمرين في الأسواق المالية خلال الآونة الأخيرة؛ حيث شهد المعدن الأصفر قفزة ملحوظة يوم الجمعة الماضي نتيجة تضافر عدة عوامل اقتصادية وسياسية أدت إلى زيادة بريقه ملاذاً آمناً، وتأتي هذه التحركات مدفوعة بقيام المتداولين بتحليل دقيق لبيانات الوظائف الأمريكية التي جاءت مخيبة لآمال الكثيرين بضعفها غير المتوقع، تزامناً مع اتساع رقعة الاضطرابات الجيوسياسية التي تخلق حالة من عدم اليقين في المشهد العالمي العام.

شهدت تداولات نهاية الأسبوع صعوداً ملموساً في سعر الذهب الفوري بنسبة بلغت 0.83% ليصل إلى مستوى 4513.03 دولار للأوقية الواحدة؛ في حين كان المعدن النفيس قد سجل ذروة تاريخية غير مسبوقة عند 4549.71 دولار في السادس والعشرين من شهر ديسمبر الماضي، ولم يقتصر الارتفاع على السوق الفورية بل امتد وشمل العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم شهر فبراير التي قفزت بنسبة 1.33% لتستقر عند 4519.70 دولار؛ مما يعزز الثقة في استمرارية الزخم الإيجابي خاصة مع ظهور أرقام التوظيف في ديسمبر التي كشفت عن إضافة 50 ألف وظيفة فحسب في القطاع غير الزراعي، وهو رقم يقل كثيراً عن التوقعات التي كانت تنتظر زيادة قدرها 60 ألف وظيفة؛ رغم انخفاض معدل البطالة إلى 4.4% متجاوزاً التوقعات التي كانت تقف عند 4.5%.

محركات توقعات أسعار الذهب العالمية والتوترات الجيوسياسية

يرى المحللون والخبراء في أسواق السلع أن هذه البيانات تعكس بوضوح ضعف بيئة خلق فرص العمل في الولايات المتحدة؛ الأمر الذي يدفع الاحتياطي الفيدرالي نحو تبني سياسات نقدية أكثر مرونة تميل إلى التخفيف، ويوضح بارت ميليك كبير استراتيجيي السلع في شركة TD للأوراق المالية أن هذا الضعف يترافق مع احتمالات قوية لتصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع طفيف في أسعار النفط؛ مما قد يسهم في تنامي الضغوط التضخمية التي تزيد من جاذبية الذهب، وتتجلى هذه الأزمات في عدة جبهات مشتعلة تزيد من ضبابية الرؤية المستقبلية للاقتصاد العالمي:

  • تصاعد حدة الاضطرابات والاحتجاجات السياسية داخل إيران.
  • استمرار العمليات العسكرية والحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها.
  • الأزمة الدبلوماسية المرتبطة باعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
  • تزايد المؤشرات الصادرة من واشنطن حول الرغبة في بسط السيطرة على غرينلاند.

العوامل المؤثرة على توقعات أسعار الذهب العالمية لعام 2026

تتجه أنظار المؤسسات المالية الكبرى نحو آفاق زمنية أطول؛ حيث تتوقع شركة ميتالز فوكس أن تخترق أسعار المعدن الأصفر حاجز 5000 دولار للأونصة بحلول عام 2026، مستندة في تحليلها إلى رغبة العديد من الدول في التخلي عن الدولار كعملة احتياطية والبحث عن بدائل أكثر استقراراً في ظل المخاطر السياسية الراهنة، ويشارك بنك إتش إس بي سي هذه الرؤية المتفائلة مرجحاً وصول الأسعار إلى ذات الرقم في النصف الأول من عام 2026؛ معللاً ذلك بتراكم الديون السيادية العالمية وتفاقم المخاطر المحيطة بالأمن الدولي، وفي الوقت ذاته نلاحظ تبايناً في الطلب الفعلي على الذهب في السوق الآسيوية؛ حيث بقي الطلب في الهند ثابتاً ولكن ضعيفاً نتيجة الارتفاعات السعرية الكبيرة، بينما شهدت الصين اتساعاً في العلاوات السعرية المدفوعة فوق السعر العالمي الرسمي.

المعدن النفيس الآجل/الفوري سعر الإغلاق الأخير (دولار) نسبة الارتفاع المحققة
الذهب (المعاملات الفورية) 4513.03 دولار 0.83%
الفضة (المعاملات الفورية) 79.84 دولار 3.85%
البلاتين (المعاملات الفورية) 2276.15 دولار 0.4%
البلاديوم (المعاملات الفورية) 1840.26 دولار 3.1%

تحليل أداء المعادن النفيسة وتأثيرها على توقعات أسعار الذهب العالمية

لم تكن المكاسب حكراً على الذهب وحده بل امتدت لتشمل سلة المعادن النفيسة الأخرى التي سجلت قفزات نوعية؛ فالفضة صعدت بقوة لتصل إلى 79.84 دولار للأوقية مقتربة من أعلى مستوياتها التاريخية التي سجلتها في أواخر ديسمبر الماضي عند 83.62 دولار، وبالمثل ارتفع البلاتين بنسبة طفيفة مستقراً فوق مستوى 2276 دولاراً بعد أن كان قد لامس رقماً قياسياً يوم الاثنين الماضي، كما سجل البلاديوم نمواً لافتاً بنسبة 3.1%؛ مما يؤكد أن السوق حالياً يتحرك في بيئة مواتية جداً للأصول الملموسة نتيجة توقع خفضين على الأقل لأسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأمريكي خلال العام الحالي، وهو ما يعتبر تاريخياً وسيلة فعالة لدعم نمو الاستثمارات في المعادن بعيداً عن تقلبات العملات الورقية.

تعكس كل هذه التحولات في توقعات أسعار الذهب العالمية والطلب المتزايد على المعادن حالة التأهب القصوى التي يعيشها المستثمرون حول العالم؛ فالمزيج المكون من السياسات النقدية المتساهلة والديون المرتفعة مع اشتعال الصراعات الدولية يخلق أرضية خصبة لمزيد من الأرقام القياسية، ومع استمرار هذه المعطيات يبقى الذهب هو البوصلة التي توجه رؤوس الأموال الساعية للحماية من التضخم ومن تقلبات الجغرافيا السياسية المتسارعة.