تحول تقني لافت.. كيف يغير الذكاء الاصطناعي مستقبل تقديم الخدمات الحكومية؟

المرحلة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في مصر تمثل نقلة نوعية في المسار الرقمي للدولة للفترة ما بين 2025 و2030، حيث تسعى الحكومة المصرية من خلال هذه المبادرة الطموحة إلى تعزيز الاعتماد على التقنيات الحديثة بشكل مستدام ومسؤول يعود بالنفع على المجتمع؛ فالمشروع لا يقتصر فقط على الجوانب التقنية بل يمتد ليشمل صياغة سياسات شاملة تضمن التحول الرقمي الآمن وتدعم الابتكار في مختلف المجالات والقطاعات الحيوية، وهو ما يضع الدولة على طريق التنافسية العالمية ويدعم ركائز الاقتصاد الرقمي المبني على المعرفة والبيانات الدقيقة.

محاور المرحلة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي

تستند هذه الرؤية المستقبلية الطموحة إلى ستة ركائز أساسية تضمن التكامل في التنفيذ، حيث يبدأ العمل بمحور الحوكمة الذي يضع الأطر الأخلاقية والقانونية لضمان استخدام آمن ومسؤول للتقنيات، يليه محور التكنولوجيا الذي يركز على ابتكار خوارزميات وتطبيقات ترفع من كفاءة الخدمات العامة وتحسن جودة حياة المواطنين اليومية؛ بينما يأتي محور البيانات ليكون الوقود المحرك لهذا التحول عبر توفير تدفقات بيانية عالية الجودة تغذي النماذج الرقمية وتجعلها أكثر دقة وفاعلية في اتخاذ القرارات وحماية الخصوصية، وتكتمل هذه المنظومة من خلال محور البنية التحتية الذي يوفر الدعم اللوجستي والتقني اللازم لبناء مراكز بيانات عملاقة وخدمات سحابية متطورة وأنظمة حوسبة فائقة السرعة قادرة على استيعاب ومعالجة البيانات الضخمة التي تتطلبها المرحلة القادمة.

أما الجانب البشري والاستثماري فيمثلان العمود الفقري لنمو هذه الاستراتيجية، إذ يركز المحور الخامس على بناء نظام بيئي متكامل يدعم الشركات الناشئة ويحفز الابتكار، ويسعى بجدية لجذب رؤوس الأموال الاستثمارية والمؤسسات التمويلية لضمان استمرارية المشاريع التكنولوجية؛ وبالتوازي مع ذلك يعمل المحور السادس على الاستثمار في العقول المحلية ورفع كفاءة الكوادر البشرية وتدريب المتخصصين بمجالات البرمجة وتحليل البيانات، وفيما يلي نلخص تقسيم هذه المحاور الحيوية بوضوح:

  • محور الحوكمة: لضمان الاستخدام الأخلاقي والمسؤول للتقنيات.
  • محور التكنولوجيا: لتطوير تطبيقات ونماذج ترفع كفاءة القطاعات.
  • محور البيانات: لتوفير بنية بيانية رصينة تدعم النماذج الرقمية.
  • محور البنية التحتية: لتوفير الحوسبة المتقدمة والربط الرقمي السريع.
  • محور النظام البيئي: لدعم ريادة الأعمال وجذب الاستثمارات العالمية.
  • محور المهارات: لتدريب الكوادر البشرية وتوسيع الخبرات التقنية.

تطبيقات عملية ضمن المرحلة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي

انتقلت مصر من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي بفضل مجهودات مركز الابتكار التطبيقي الذي طور أنظمة رقمية رائدة، حيث برز النظام المصري الأول للكشف المبكر عن سرطان الثدي بالتعاون مع مؤسسة بهية كأحد أهم الإنجازات الطبية والرقمية؛ فهذا النظام تم تدريبه على قاعدة بيانات وطنية واسعة تضم أكثر من 60 ألف صورة أشعة سينية، مما يمنحه القدرة على تحليل الصور وتقديم تشخيصات أولية بدقيقة تساهم في إنقاذ الأرواح وتقليل الضغط على المنظومة الصحية، وهو مثال حي لكيفية تسخير التكنولوجيا لخدمة القضايا الإنسانية والاجتماعية الملحة في مصر خلال السنوات الأخيرة.

ولم يتوقف التطور عند القطاع الصحي بل امتد ليشمل المنظومة القضائية عبر إطلاق نظام متطور يحول الصوت إلى نصوص مكتوبة خلال جلسات التقاضي عن بعد، وهذا النظام الذي يحقق دقة مذهلة تتجاوز 96% يهدف إلى أتمتة تدوين المرافعات وأقوال المتهمين والأحكام القضائية؛ مما يسرع من وتيرة العدالة ويقلل من الأخطاء البشرية في تدوين المحاضر الرسمية، وتخطط الدولة لتوسيع هذا النظام ليشمل كافة المحاكم الاقتصادية والجنائية على مستوى الجمهورية، مما يمثل ثورة في إدارة السجلات العدلية والتحول نحو العدالة الرقمية الشاملة التي تنشدها المرحلة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي وتطبيقها بشكل منهجي.

تحسين الخدمات وتعزيز الجاهزية الوطنية ضمن الاستراتيجية

شملت النجاحات أيضاً قطاع الخدمات الصوتية والرد التفاعلي، حيث تم تطوير أنظمة ذكية تحول النصوص إلى محتوى مسموع لأتمتة الحملات الترويجية والاستبيانات وأنظمة الرد الصوتي للمؤسسات؛ وهذه الخطوة ساعدت بشكل ملموس في تحسين تجربة المستخدمين وتقليل النفقات التشغيلية للجهات التي اعتمدت التقنية، والجدول التالي يوضح بعض البيانات الرقمية الخاصة بالتطبيقات التي تم إنجازها بالفعل:

المشروع التقني إحصائيات أو نسبة النجاح
نظام الكشف المبكر عن سرطان الثدي 60,000+ صورة أشعة للتدريب
نظام تحويل الصوت لنص في التقاضي دقة تتجاوز 96%
نظام أتمتة المحتوى الصوتي تحسين تجربة المستخدم وتقليل التكلفة

توجت هذه الجهود بالتعاون الدولي مع مكتب اليونسكو الإقليمي وبدعم تمويلي من الاتحاد الأوروبي لإصدار تقرير تقييم الجاهزية الوطنية، وهو تقرير حيوي يهدف لتقييم قدرة الدولة على استيعاب هذه التكنولوجيا وصياغة السياسات المستقبلية بشكل مستدام وناجح؛ فهذه الخطوات المتسارعة تؤكد إصرار مصر على تعزيز مكانتها في الخريطة الرقمية العالمية وتثبت قدرتها على قيادة المنطقة في تبني حلول المرحلة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي بكل كفاءة واقتدار.