تأثير اعتقال مادورو.. هل تتسبب أزمة فنزويلا في قفزة بأسواق النفط العالمية؟

تأثير اعتقال نيكولاس مادورو على أسعار النفط العالمية يمثل المحور الأكثر سخونة في حديث الأسواق حاليًا، حيث تعيش الدوائر الاقتصادية والسياسية حالة من الترقب الشديد لما ستؤول إليه التداولات المقبلة؛ عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئ عن تنفيذ عملية عسكرية واسعة في فنزويلا انتهت بترحيل مادورو خارج بلاده، وسط تساؤلات حتمية حول كيفية استجابة الخام لهذا الحدث الجيوسياسي الضخم وتأثيره المباشر على توازن العرض والطلب.

شهدت الساحة الفنزويلية تحولات دراماتيكية تزامنت مع انفجارات دوت في أرجاء العاصمة كراكاس وتحركات عسكرية مكثفة، بينما أدانت الحكومة الفنزويلية ما تعرضت له ووصفته بالعدوان الأمريكي الصارخ؛ مما دفعها للإعلان عن حزمة إجراءات طوارئ عاجلة لمواجهة هذه التطورات الميدانية المتسارعة، وفي المقابل يراقب المستثمرون تأثير اعتقال نيكولاس مادورو على أسعار النفط العالمية وكيف سيتفاعل المتداولون في أول جلسات الأسبوع، لا سيما بعد الاستنفار الأمريكي غير المسبوق في منطقة الكاريبي الذي وضع المنطقة برمتها على فوهة بركان.

توقعات تأثير اعتقال نيكولاس مادورو على أسعار النفط العالمية

يرى المهندس مدحت يوسف، رئيس هيئة البترول الأسبق، أن الأسواق العالمية لم تهتز بعنف طوال فترات الحصار السابقة على الصادرات الفنزويلية؛ حيث إن أسعار خام برنت سجلت مستويات عند 60.25 دولار للبرميل وتأثرت بمكاسب محدودة لم تتخطَّ 2%، مرجعًا هذا السلوك السعري إلى وجود فائض في الإنتاج العالمي يمتص الصدمات الجيوسياسية، بينما يقدم الخبراء قراءات متنوعة حول المشهد القادم وفقًا للبيانات التالية:

المؤشر أو المصدر التوقع أو السعر المسجل
خام برنت مؤخرًا نحو 61 دولارًا للبرميل
إنتاج فنزويلا الحالي 800 ألف برميل يوميًا
الإنتاج العالمي الإجمالي 102 مليون برميل يوميًا
علاوة المخاطر ارتفاع طفيف حتى اللحظة

وتطرقت جيوفاني ستاونوفو، المحللة في بنك يو بي إس، إلى أن صادرات فنزويلا تقبع تحت ضغط هبوطي مستمر منذ الحصار على الناقلات؛ مما يرفع درجة المخاطر من استمرار هذا المسار النزولي للإمدادات، كما تؤكد فاندانا هاري أن الحراك السعري لا يزال محصورًا في نطاق “علاوة مخاطر” محدودة، بينما ترى أمينة بكر من شركة Kpler أن السوق يقلل حاليًا من تأثير الهجمات والمخاطر السياسية في ظل تخمة المعروض العالمي؛ وهو ما يفسر استقرار الأسعار نسبيًا عند مستوى 61 دولارًا رغم التوترات المحتدمة في الكاريبي ومنشآت الطاقة الروسية.

تأثير اعتقال نيكولاس مادورو على أسعار النفط والاحتياطيات السيادية

يمثل تأثير اعتقال نيكولاس مادورو على أسعار النفط العالمية تحديًا لما يُعرف بـ”الخطر النظامي” في سوق الطاقة وفق توصيف المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح؛ الذي لفت إلى أن فنزويلا تمتلك عناصر قوة تجعلها رقمًا صعبًا رغم ضعف إنتاجها الراهن، وتتجلى هذه الأهمية في عدة نقاط جوهرية أبرزها:

  • امتلاك فنزويلا لأضخم احتياطي نفطي مؤكد في الكوكب بحجم 303.8 مليار برميل.
  • تخصص الإنتاج الفنزويلي في “الخام الثقيل” الذي تعتمد عليه مصافي التكرير العالمية بشكل أساسي.
  • الرمزية السياسية للدولة في موازين القوى بين الشمال والجنوب وتأثيرها في أوبك+.
  • خطر عودة استخدام النفط كسلاح سياسي في الصراعات الدولية المباشرة.

ويحذر صالح من أن غياب النفط الفنزويلي قد يسبب اختناقات تشغيلية عالمية لا تتعلق بالكمية فقط بل بنوعية الخام اللازمة للصناعة؛ مما قد يدفع الأسعار للقفز الفوري بمجرد استشعار الأسواق لتهديد حقيقي يمس استقرار الإمدادات في منطقة جنوب غرب الكرة الأرضية نتيجة التدخل العسكري.

النفط الفنزويلي ومستقبل الأسواق بعد رحيل مادورو

ترتبط قصة الاقتصاد الفنزويلي برباط وثيق مع “الذهب الأسود” حيث كانت البلاد حتى سبعينيات القرن الماضي المورد الأول للولايات المتحدة وأكبر مصدر عالمي؛ إذ اعتمدت سياسات “زرع النفط” لتنويع مواردها وتطوير قطاعات التعدين والطاقة الكهرومائية، إلا أن التأميمات المتلاحقة في عهد هوجو تشافيز وما تلاها من سياسات في عهد خلفه المطرود، أدت إلى تدهور مرافق الإنتاج وتراجع الاستثمارات الضرورية للصيانة، ومع انهيار الأسعار عام 2014 دخلت كراكاس في نفق مظلم فقدت فيه 75% من أصل ناتجها المحلي الإجمالي؛ مما حول أكبر قوة نفطية إلى ساحة للأزمات الإنسانية ونقص الغذاء والدواء تحت وطأة العقوبات الدولية الخانقة.

إن البحث عن تأثير اعتقال نيكولاس مادورو على أسعار النفط العالمية يستوجب النظر إلى الفجوة الهائلة في المعايير؛ ففنزويلا تمتلك احتياطيات تتجاوز 303 مليار برميل مقابل نحو 38.2 مليار برميل فقط للولايات المتحدة، وهو ما يجعل السيطرة أو التغيير السياسي في هذه الدولة زلزالًا قد يعيد تشكيل خارطة الطاقة العالمية على المدى الطويل إذا ما استعادت البلاد قدراتها الإنتاجية الكاملة، وبناءً عليه ستظل حركة تداول برنت والخامات الخفيفة رهينة لما ستسفر عنه الأيام القادمة من استقرار ميداني أو تصعيد عسكري مفتوح في كراكاس.