توقعات النمو العالمي.. صندوق النقد يحدد وتيرة توسع الاقتصاد بنسبة 3.2%

توقعات تعافي النمو الاقتصادي العالمي باتت محور اهتمام المؤسسات المالية الدولية في الوقت الراهن، حيث رجّح بنك قطر الوطني في أحدث تقاريره الأسبوعية حدوث تحسن محدود في وتيرة النشاط الاقتصادي خلال العام الحالي، مستنداً في رؤيته إلى استقرار أداء الأقطاب الاقتصادية الكبرى التي تقود قاطرة الإنتاج العالمي؛ إذ تتجه التوقعات نحو تحقيق معدل نمو يصل إلى 3.2%، وهي نسبة تتجاوز بقليل التقديرات الإجمالية السابقة التي كانت تراقب الأسواق بحذر، ما يمنح جرعة من التفاؤل الحذر بشأن مستقبل استقرار الاقتصادات الرئيسية وقدرتها على الصمود أمام الضغوط الفنية والجيوسياسية الراهنة، رغم بقاء هذه المعدلات دون مستويات النمو طويلة المدى التي تطمح لها دول العالم لتحقيق توازن كلي مستدام.

توقعات تعافي النمو الاقتصادي العالمي في أمريكا والصين

تحليل المشهد الاقتصادي للولايات المتحدة والصين يكشف عن عوامل حيوية تدفع نحو ترسيخ توقعات تعافي النمو الاقتصادي العالمي، ففي واشنطن يظهر الاقتصاد الأمريكي مرشحاً للاستفادة من خفض الضرائب المرتقب في عام 2026 وقوة الإنفاق الاستهلاكي للأسر التي تعيش أفضل وضع مالي لها منذ عقود بفضل انخفاض البطالة وسوق العمل القوي؛ كما يلعب ازدهار تقنيات الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في تحفيز تدفقات الاستثمار وزيادة الإنتاجية بشكل ملحوظ عبر تبني الحلول التقنية المبتكرة، بالتزامن مع التحول الجوهري في سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي يتجه نحو الحياد النقدي وخفض أسعار الفائدة لتصل إلى 3.5% بنهاية عام 2026، وهو ما سيجعل تكلفة الائتمان أرخص ويشجع الأعمال الجديدة على التوسع، ما قد يرفع معدل النمو الأمريكي إلى نحو 2.2% في ذلك العام.

أما في الجانب الآخر من العالم، يواجه الاقتصاد الصيني احتمالات تباطؤ طفيف، لكنه يظل قادراً على تحقيق مستهدفه عند 5% بفضل تضافر جهود الصادرات القوية والطلب المحلي المتزايد؛ وقد استعرض التقرير البيانات الرقمية التي توضح هذا التناغم في الجدول التالي:

الدولة/المنطقة معدل النمو المتوقع (2026) العامل المحفز الرئيسي
الولايات المتحدة الأمريكية 2.2% الذكاء الاصطناعي وخفض الفائدة
جمهورية الصين الشعبية 5.0% قوة الصادرات والطلب المحلي
منطقة اليورو 1.5% قطاع الخدمات والإنفاق المالي

آفاق منطقة اليورو ضمن توقعات تعافي النمو الاقتصادي العالمي

تشير المعطيات المالية إلى أن القارة العجوز تسير بخطى ثابتة نحو تسارع طفيف في النشاط، مدفوعة ببرامج الإنفاق المالي الضخمة والسياسات النقدية التي بدأت تخفف من حدة تقييد النشاط الاقتصادي، حيث ساهم برنامج “الجيل القادم للاتحاد الأوروبي” (NGEU) بنحو 0.5 نقطة مئوية في إجمالي النمو خلال عام 2025، ومن المتوقع أن يستمر هذا الزخم خلال عام 2026 إذا بقيت مسارات التنفيذ ضمن الجداول الزمنية المحددة؛ كما أدت التوترات الجيوسياسية والنزاع الروسي الأوكراني إلى إطلاق مبادرات دفاعية استراتيجية ستضيف أكثر من 1% إلى الناتج المحلي الإجمالي في 16 دولة أوروبية، مستفيدة من المرونة المنسقة في القواعد المالية للاتحاد التي سمحت بتجاوز بعض القيود التقليدية لدعم الاستقرار والأمن القومي الاقتصادي.

تتجلى قوة هذه الرؤية من خلال القائمة التالية التي تلخص محركات النمو في منطقة اليورو:

  • خفض البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة بمقدار 200 نقطة أساس لتصل إلى 2% بحلول منتصف العام الماضي.
  • تحول قطاع الخدمات إلى مرحلة التوسع والنمو المستمر الذي سيطر على الأشهر الأربعة الأخيرة من عام 2025.
  • زيادة وتيرة نمو الائتمان الموجه للقطاع الخاص بالقيمة الحقيقية نتيجة انخفاض تكلفة الاقتراض.

تأثير السياسات النقدية الاستباقية وتوقعات تعافي النمو الاقتصادي العالمي

إن الانتقال من سياسات التشدد النقدي الصارم إلى مستويات أكثر توازناً يعتبر الركيزة الأساسية التي تدعم توقعات تعافي النمو الاقتصادي العالمي في المدى المتوسط، فالمركزي الأوروبي على سبيل المثال نجح في تحويل أسعار الفائدة من مستوى تقييدي جداً عند 4% إلى مستويات تحفيزية، مما انعكس إيجاباً على جذب الاستثمارات في قطاع الخدمات الذي يمثل العمود الفقري لاقتصاد المنطقة بنسبة تناهز 70% من إجمالي النشاط؛ وبناءً على هذه المؤشرات الإيجابية التي رصدها بنك قطر الوطني، يبدو أن منطقة اليورو مهيأة لتحقيق نمو بنسبة 1.5% في عام 2026، وهي قيمة تتجاوز التوقعات الأولية التقليدية نتيجة القدرة العالية على التكيف مع الصدمات الخارجية وتحسين هوامش الربحية للشركات الكبرى.

الصين بدورها أثبتت كفاءة تجارية منقطعة النظير بعد تجاوز فائضها التجاري حاجز التريليون دولار لأول مرة العام الماضي، وبالرغم من التحديات التجارية مع الولايات المتحدة والرسوم الجمركية المرتفعة، إلا أن زيادة الإنتاجية وتحول بوصلة الطلب نحو الداخل وفّرت حماية ذاتية للاقتصاد الصيني أمام التقلبات العالمية؛ هذه الصورة المتكاملة للقوى الاقتصادية الثلاث التي تمثل 60% من ثروة العالم تؤكد أن الاستقرار الحالي يمهد الطريق لمرحلة جديدة من النشاط المتوازن والمتقارب، حيث تلعب التكنولوجيا والسياسات المالية المرنة الدور الأكبر في تشكيل ملامح العام القادم وما يليه من آفاق اقتصادية واعدة.